أبو بكر البغدادي وتاريخ العراق المنسي

٢٨ تشرين الأول أكتوبر ٢٠١٩

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل أبو بكر البغدادي صباح يوم الأحد بدماء ووحشية لم يسمع بها من قبل رئيس أمريكي.

"مات مثل الكلب... نشيج ، يصرخ ويبكي ،" أعلن ترامب. وأضاف ان لقطات الغارة التي قام بها الجيش الأمريكي ، والتي شاهدها مباشرة ، كانت "شيئًا مدهشًا حقًا لرؤية... كما لو كنت تشاهد فيلمًا ". ووفقا للبيت الأبيض ، فإن هذا شمل تفجير البغدادي لنفسه مع ثلاثة من أبنائه.

الرئيس ، "زعيم العالم الحر" المفترض ، ابتهج على جثة البغدادي مثل المجرم الشائع ، بلغة تكاد تكون محسوبة للتحريض على الانتقام.

لا شك أن أبو بكر البغدادي ارتكب جرائم وحشية. المنظمة التي قادها قتلت الآلاف من الناس. لكن داخل وسائل الإعلام والمؤسسة السياسية ، هناك صمت تام حول الظروف التي خلقته. الخط العام هو أن عملية اغتيال ترامب تستحق الاشاده بها ، ولكنها تظهر فقط ان الاداره مخطئه في سحب القوات من سوريا والشرق الأوسط ، أو في انتقاد جهاز المخابرات العسكرية الأمريكية.

وطرح هذا الموقف من قبل صحيفة النيويورك تايمز ، التي كتب مراسلها ديفيد سانغر على الصفحة الأولى لصحيفة يوم الاثنين أن الغارة "أثبتت قيمة ثلاث نقاط القوة الأمريكية التقليدية: التحالفات القوية ، والإيمان في وكالات الاستخبارات ونشر القوة العسكرية حول العالم."

وكتب سانغر أن نتيجة الغارة "لم تفعل شيئا يذكر لتهدئه الشكوك حول حكمته [ترامب] في تقليص الوجود العسكري للولايات المتحدة في سوريا".

صحيفة التايمز ، التي تتحدث نيابة عن الحزب الديمقراطي ، ترغب في أن ينسى العالم التاريخ الحقيقي والدموي للعمليات الإمبريالية الأمريكية في العراق والشرق الأوسط الأوسع ، والتي يشار إليها على أنها "تنشر القوة العسكرية الأمريكية" ، والتي خرج منها داعش. أما بالنسبة لشخصية البغدادي نفسه ، سواء أكان عدوًا للولايات المتحدة أو من أصول وكالة المخابرات الأمريكية أو كليهما ، هناك شيء واحد مؤكد: إنه نتاج ثانوي للإجراءات الإجرامية التي اتخذتها الحكومة الأمريكية على مدى أربعة عقود.

ولد البغدادي في عام 1971 ، بالقرب من سامراء بالعراق. خلال سنوات مراهقته ، شن العراق ، بدعم من الولايات المتحدة ، حربًا مع إيران كلفت ملايين الأرواح وتركت كلا البلدين في حالة صدمة.

كان في العشرين من عمره عام 1991 ، عندما غزت الولايات المتحدة ، تحت إدارة بوش الأب ، العراق ونفذت مذبحة عسكرية خلفت أكثر من مائة ألف قتيل عراقي. وأعقب ذلك عقد من العقوبات التجارية والاقتصادية ، تحت أداره كلينتون ، والذي أدى إلى مقتل ما يقدر بنحو خمسمائة ألف طفل.

ثم جاء غزو عام 2003 ، الذي أطلقته إدارة بوش الإبن. وهذه الحرب ، التي هدفها النهب المفترس لإحتياطات نفطية لبلد أعزل إلى حد كبير، واستنادا إلى أكاذيب شفافة ، ابتلعت بالكامل من قبل وسائل الإعلام والحزب الديمقراطي. أمام أعين العالم بأسره ، شنت الولايات المتحدة حرب عدوان ، ومن المفروض أن يتم جر المسؤولين عنها أمام محاكم جرائم الحرب.

تسبب غزو العراق واحتلاله في الموت والدمار بمقياس وصفه الموقع الإلكترونيّ للاشتراكيّة العالميّة بأنه "إبادة اجتماعية". العراق ، الذي كان واحدا من أكثر البلدان تقدما وتطورا في الشرق الأوسط ، تم تدميره بسبب الغزو الأمريكي. قُتل أكثر من مليون شخص ، وتحول ملايين آخرون إلى لاجئين.

في عام 2004 ، تم اعتقال البغدادي في سجن أبو غريب ، الذي اشتهر بالتعذيب الجماعي المروع واغتصاب المعتقلين على أيدي القوات الأمريكية. وبعد ذلك قضى ما يقرب من خمس سنوات مسجونا في معسكر بوكا في جنوب العراق قبل أن تطلق سراحه وزارة الدفاع الأمريكية.

في عام 2007 ، وصف الصحفي سيمور هيرش "إعادة التوجيه" في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. "لتقويض إيران ، التي أغلبيتها شيعة ، قررت إدارة بوش ، إعادة تشكيل أولوياتها في الشرق الأوسط ... وشاركت الولايات المتحدة أيضًا في عمليات سرية تستهدف إيران وحليفتها سوريا. أحد النتائج الثانوية لهذه الأنشطة هو دعم الجماعات السنية المتطرفة المتعاطفة مع تنظيم القاعدة".

وكانت "الثورة" اللاحقة المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا ، والتي وجهها أوباما إلى حد كبير ، نتاج "إعادة التوجيه" هذه ، التي شهدت قيام الولايات المتحدة بنقل الأسلحة والمال للقوات الإسلامية ، والعديد منها على صلة وثيقة بتنظيم القاعدة.

في عام 2013 ، أعلن البغدادي تأسيس "الدولة الاسلامية في العراق والشام" وسيطر على معظم المقاتلين الأجانب في جبهة النصرة (القاعدة) ، والتي ذكرت التايمز أنها تلعب "دورًا رئيسيًا" في جهود حكومة الولايات المتحدة للإطاحة بنظام الأسد.

حذرت صحيفة التايمز الولايات المتحدة من الرفض المطلق للجماعة المرتبطة بالقاعدة ، وكتبت أنها "ستؤدي إلى معاداة بين الولايات المتحدة وأفضل المقاتلين في التمرد الذي تهدف إلى دعمه". وأشارت التايمز إلى أن العديد من "الثوار السوريين... يعملون بشكل وثيق معها و معجبون بها ".

لم يشق أي من هذا التاريخ طريقه إلى تعليق النيويورك تايمز وصحيفة الواشنطن بوست أو شبكات الأخبار الإذاعية.

وكجزء من جهودها لتأطير جميع المعارضة لترامب كدعم للحرب ، لا تريد وسائل الإعلام والحزب الديمقراطي محاسبة الجرائم المروعة التي ارتكبتها الولايات المتحدة. يريدون محو من الذاكرة الملايين من القتلى وصور التعذيب وأدلة جرائم الحرب.

في التسعينيات ، عندما كان الحزب الديمقراطي لا يزال يشعر بأنه مضطر للتكيف مع المشاعر الجماهيرية المناهضة للحرب التي استمرت لعقود بعد هزيمة فيتنام ، صوت جميع أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون تقريبًا ضد قرار يجيز غزو العراق (لكن القرار مر ، لأن كما الديمقراطيون أدركوا وقتها ، بأنهم شكلوا أقلية في المجلس مما أمنحهم فرصة التغطي السياسي). بعد عقد من الزمان ، تظاهر ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم ضد حرب العراق في عام 2003 ، في أكبر مظاهرات عالمية منسقة في التاريخ. لكن هذه المظاهرات خُنقت بسبب إتباعها للحزب الديمقراطي ، الذي ظهر بعد ستة عشر عامًا باعتباره المدافع الأكثر إصراراً على التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

في ردها على مقتل البغدادي ، كما هو الحال مع مقتل بن لادن ، فإن وسائل الإعلام تناشد وتحاول أن تثير الغرائز الأكثر بدائية ورجعية. إذا كان لديهم طريقهم ، فستكون هذه مناسبة لمزيد من سفك الدماء والعنف.

التاريخ الحقيقي للعنف الإمبريالي الأمريكي في العراق لن ينسى من قبل الطبقة العاملة ، ولن تكون الجرائم الحالية والمستقبلية دون معارضة. ويجب ان يرتبط العداء العميق والدائم للحرب بنمو النضال الطبقي ، في حركة قوية للتخلص من الهمجية الامبريالية ومحاسبة المسؤولين عنها.

أندريه دامون