أفراد الطغمة المالية في لبنان وأتباع الإمبريالية يسعون لاستغلال الغضب الذي ولده انفجار مرفأ بيروت.

جين شاؤول
٣٠ أيلول سبتمبر ٢٠٢٠

نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في 15 أغسطس 2020

بدأ مسيحيو لبنان، والفاشيون، والأحزاب السنية الملتفة حول رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بالدعوة العلنية لعودة هذا البليونير الفاسد إلى السلطة.

ظهرت الدعوة إلى العلن أول مرة بعد ساعات من إعلان حسان دياب عن استقالة حكومته "التكنوقراطية" مساء يوم الاثنين، في أعقاب الاحتجاجات المناهضة للحكومة إثر الانفجار الضخم في مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس.

إن هذه الكارثة، مهما كان سببها المحدد، كانت نتيجة الإهمال الإجرامي واللامبالاة الفظة من قبل حكومات متعاقبة ومن قبل النخبة الحاكمة، التي تجاهلت على مدى سنوات التحذيرات المتكررة حول مخاطر تخزين نترات الأمونيوم قرب منطقة سكنية  دون مراقبة أمان مناسبة .

قيل الكثير حول تلقي دياب رسالة حول مخزون المادة الكيميائية القوية في المخزن بتاريخ 20 يوليو قام بعدها بدعوة مجلس الدفاع الأعلى للتحرك، ورد دياب في دفاع عن نفسه " الحكومة الحالية تلقت ملفاً قبل 14 يوم من الانفجار وعملت عليه بعد أيام. أما الإدارات السابقة فكان لديها ست سنوات ولم تفعل شيئاً."

ومع ذلك حين صار واضحاً أن حكومة دياب ستوصف بأنها المتهم الرئيسي، بادر بعض زملائه في الحكومة إلى الاستقالة مسرعين استقالة دياب، ولكن هو سيستمر في تصريف الحكومة. وكما أخبرت غادة شريم، وزيرة المهجرين في حكومة تصريف الأعمال محطة الجزيرة " في النهاية شعرنا أنهم يريدون جعلنا مجرمين وإلقاء كل اللوم علينا  وكان هذا هو السبب الرئيسي للاستقالة".

بالمقابل ألقى دياب مسؤولية "الزلزال " الذي ضرب لبنان على الحكومات الفاسدة التي سبقت حكومته لكنه احتفظ بالصمت حول من قصد بذلك وما الذي فعلوه بالتحديد.

و لم يحذر دياب مرة واحدة خلال الأشهر الستة التي تولى فيها مقاليد الحكم من مكائد النخبة السياسية ، ، على الرغم من أنها جعلت من المستحيل بالنسبة إليه اتخاذ أي إجراءات للتعامل مع الأزمة الاقتصادية ناهيك عن تخفيف معاناة عائلات الطبقة العاملة.

وفي يوم الخميس وافق مجلس النواب في أول عمل له بعد الانفجار على فرض حالة الطوارىء ومنح الجيش سلطة واسعة لقمع حرية التعبير، وحرية التجمع وحرية الصحافة، بالإضافة إلى منحه حق دخول البيوت وتوقيف أي شخص يٌشتبه بأنه خطر على الأمن وكذلك حق محاكمة الناس أمام القضاء العسكري. ومن الواضح أن هذه الخطوة تهدف إلى قمع معارضة الوضع الاقتصادي الصعب والفساد والتشكيك بالنخبة السياسية.

إن تيار المستقبل  الذي يقوده الحريري يعمل بالتحالف مع القوات اللبنانية الفاشية بزعامة قائد الميليشيا السابق سمير جعجع، والحزب الاشتراكي التقدمي المستند إلى الدروز بقيادة وليد جنبلاط على هندسة حكومة يقودها الحريري.

لكن يبدو أنه من الصعب تمرير هذا على الجمهور الغاضب المصاب بالقرف من النخبة الحاكمة بأسرها والمدرك تماماً أن الحريري كان في السلطة أربعة أعوام من السنوات الستة التي كانت نترات الأمونيوم مخزنة خلالها في الميناء. 

وتتمثل الخطة الاحتياطية لهذه الفئات بحكومة إنقاذ وطني يقودها ربما عسكري وتضم مصرفيين وغيرهم من شخصيات الأعمال، بزعم حل الأزمة وتمهيد الطريق لانتخابات على قاعدة قانون انتخابي جديد. وتدور المناقشات حول بقاء هذا الجسم غير المنتخب في السلطة لسنتين أو ثلاث سنوات.

ويبدو أن الخيار الذي تفضله واشنطن هو حكومة " مستقلين" يرأسها نواف سلام، الحقوقي الديبلوماسي سليل إحدى العائلات الحاكمة في لبنان، حيث سبق لابن عمه تمام سلام شغل منصب رئاسة الحكومة بين 2014-2016، وكان مثل الحريري مسؤلاً عن تجاهل تخزين المادة الكيميائية شديدة القوة. 

وسيكون الحريري ورفقائه القوة الدافعة وراء حكومة " الإنقاذ" أو حكومة " المستقلين". ويتمثل هدفهم بتعويض الانتكاسة التي عانوا منها في أكتوبر الماضي حين اجتاحت البلاد احتجاجات اجتماعية جماهيرية أجبرت الحكومة التي قادها الحريري على الاستقالة. وهم مصممون على إعادة الحكم المباشر لطبقة الأثرياء في خدمة الإمبريالية، وعلى الحد من نفوذ " العصابات" في لبنان أو التخلص منها وهذه استعارة يقصد بها الإشارة إلى حزب الله.

إن هذه الفئات شديدة المعارضة لحزب الله المدعوم من إيران الذي يٌشكل مع حلفائه أكبر كتلة سياسية في البرلمان. وحزب الله حركة بورجوازية إسلامية، محافظة على المستويين السياسي والاجتماعي ومعادية بعمق لأي حركة مستقلة للطبقة العاملة. كان الحزب على مدى سنوات عضواً في حكومات التحالف في البلاد ولعب دوراً مفتاحياً في الدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد في مواجهة الإسلاميين من أقصى اليمين المدعومين من وكالة الاستخبارات المركزية ومن مشيخات الخليج ومن تركيا.

إن الحملة ضد حزب الله مرتبطة بسياسة إدارة ترامب لفرض أكبر قدر من الضغط من خلال العقوبات التي تستهدف إيران، والتي تعادل حالة حرب تهدف إلى الإطاحة بالحكومة وتنصيب نظام عميل.  

إن حملة الحريري تمت بتحريض من الإمبريالية والقوى الإقليمية ووسائل الإعلام الدولية و حظيت بدعمها، واعتبرت حزب الله مسؤولاً عن الانفجار و يتم وصف الحزب بشكل روتيني على أنه عقبة في طريق الإصلاح الديمقراطي والانفصال عن الطائفية.

وكان قد تم  تكليف أستاذ الهندسة دياب من قبل عون بترؤس حكومة " تكنوقراط" ومستقلة في شهر يناير تلبية للمطالبة الشعبية بالتخلص من كل الطبقة السياسية الفاسدة.

وقد أخبر باسل سلوق، أستاذ العلوم السياسية المشارك في الجامعة الأمريكية في لبنان قناة الجزيرة "أن هدف النخبة السياسية هو نزع فتيل زخم احتجاجات السابع عشر من أكتوبر، وقد نفذت ذلك ببراعة... ورأينا أن زخم حركة الاحتجاج خمد بعد وصول دياب إلى السلطة".

تشكلت حكومة دياب إلى حد كبير من أشخاص ليس لهم خط سياسي وحظيت بدعم حزب الله، والتيار الوطني الحر المسيحي بزعامة   الرئيس عون، وحركة أمل الشيعية التي يقودها نبيه بري رئيس البرلمان.

في حين عارض أفراد الطغمة المالية من مسيحيين وسنة المتحالفين مع تيار المستقبل بزعامة الحريري الحكومة بشراسة وسعوا لتحميل دياب وحزب الله مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تجتاح لبنان والتي اندلعت نتيجة أعباء القروض التي وصلت إلى نسبة 170% من الناتج القومي الإجمالي بعد أن قطعت بلدان الخليج دعمها المالي.

وخلال عدة أسابيع، ومع تراجع قيمة العملة وانفجار التضخم، أعلن دياب أن لبنان سيمتنع عن تسديد أقساط دينه الخارجي البالغ 30 مليار $ وسيقصد صندوق النقد الدولي للحصول على قرض.

لكن الوصول إلى القروض الدولية والدعم الاقتصادي الذي تعهد به مؤتمر الأرز عام 2018 الذي أدارته واشنطن وباريس، مرتبط على الدوام بالتبعية للأجندة الاقتصادية والسياسية الإمبريالية.

مارست إدارة ترامب الضغط بدعم من مهرجيها المحليين، وشددت عقوباتها على حزب الله وعلى المنظمات التي تتعامل معه بما في ذلك البنوك، وفرضت عقوبات جديدة على سوريا التي يرتبط اقتصادها بشكل وثيق بلبنان.

قدمت حكومة دياب إلى صندوق النقد الدولي خطة تلزم البنوك اللبنانية ، الدائنين الرئيسيين للبلاد ، بقبول بعض الخسائر، وتضمنت خفض نفقات، ومجموعة من إجراءات التقشف والخصخصة لكن البنوك المملوكة من قبل أثرياء من المسيحيين والسنة الملتفة حول تيار الحريري رفضتها.

كما رفض تيار المستقبل التعاون مع الحكومة، الأمر الذي قاد إلى ظهور صدامات صغيرة إنما عنيفة بين الكتلتين المتنافستين. وفي شهر يونيو حذر عون من أن هذا يمكن  أن يشعل حرباً أهلية ثانية في بلد شهد صراع مسلح قاس من 1975 إلى 1990.

وحتى لو أن انفجار المرفأ لم يقع، لكان عجز حكومة دياب عن توفير حد متواضع من الدعم الاجتماعي للعمال اللبنانيين ولعائلاتهم المتضررين من الحظر الذي تم فرضه في مارس بسبب جائحة الفايروس التاجي قد حسم مصيرها.

فبالاستناد إلى وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية فهناك ما يزيدعلى 75% من الشعب ممن هم في حاجة إلى مساعدة حيث يتسكع الناس في مقالب القمامة بحثاً عن الطعام ويتوسلون المارة لمنحهم شيئاً من الطعام. إن كتلة الحريري، التي كانت تجهز للتحرك ضد حكومة دياب، استغلت الفرصة التي خلقها الدمار لإلقاء اللوم على حزب الله، وركزت على ادعاءات أن العنبر كان مكب متفجرات حزب الله وأن حزب الله يدير المرفأ ولذلك عليه  يكون مسؤولاً عن الفشل في التخلص من نترات الأمونيوم.

رفض الحريري وحلفاءه التحقيق الذي قامت حكومة دياب وفرض على عشرين موظفاً الإقامة الجبرية، وجمد حساباتهم المصرفية، ومنعهم من مغادرة البلاد، وطالبوا بتحقيق دولي، بقصد إلقاء اللوم على حزب الله.

هذه هي القوى التي نظمت الترحيب الضخم بالرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون حين زار بيروت بعد يومين من الانفجار. وتكلم ماكرون بوصفه ممثل السيد الاستعماري السابق للبنان ودعا إلى تحقيق دولي في سبب الانفجار وشدد على أن الدعم المالي سيكون مشروطاً " بإصلاح سياسي".  وذكرت وكالة رويترز نقلاً عن مصادر حكومية لبنانية أن ماكرون يريد أن يرأس الحريري حكومة تكنوقراط  لكن الرئيس عون والأحزاب المسيحية كانوا معارضين لهذا.

كما ردد وزير الخارجية الألمانية هايكو ماس هذه الدعوة خلال زيارته لبيروت يوم الأربعاء حين حمل شيكاً بمليون يورو لدعم الصليب الأحمر اللبناني مشدداً على أن السماعدة ستكون مشروطة " بإصلاحات اقتصادية وبحوكمة رشيدة".

وفي يوم الخميس دعا وكيل وزارة خارجية الولايات المتحدة ديفيد هيل إلى وضع حد " للحكومات المختلة والوعود الفارغة". وأضاف أن مكتب التحقيقات الفدرالي ومحققين فرنسيين سينضمون إلى التحقيق اللبناني في انفجار المرفأ، وهذا يبدو تراجع لعون عن رفضه السابق لقبول تحقيق دولي.

وتبعاً لصحيفة وول ستريت جورنال فإن إدارة ترامب تستعد لفرض عقوبات ضد الفساد على سياسيين لبنانيين بارزين وعلى رجال أعمال بهدف خلق فجوة بين حزب الله وحلفائه.

وثمة تقرير جديد للجنة الجمهوريين  للدراسات في الكونغرس  ركز على احتواء القوة والنفوذ الإيرانيين في الشرق الأوسط يقدم بعض المؤشرات حول نمط التفكير في واشنطن. وتضمن التقرير توصية بإصدار تشريع يمنع صندوق النقد الدولي من ضخ أي أموال لإنقاذ لبنان لأن ذلك لن يكون "سوى مكافأة لحزب الله"، كما أوصى بتوسيع العقوبات لتشمل حلفاء حزب الله ف لبنان.

واقتبس التقرير عن محلل لبناني- أمريكي كتب عام 2017 :" إن استقرار لبنان، بقدر ما يعنيه من استقرار النظام الإيراني وقاعدة الصواريخ الأمريكية هو في واقع الأمر ضد مصلحة الولايات المتحدة" الأمر الذي يشير إلى أنه في ما يخص اهتمام الولايات المتحدة فإن اندلاع حرب اهلية في لبنان سيكون أمراً مرحباً به بوصفه طريقة نافعة لاستهداف إيران وتقويضها.

إن كل من سيناريوهات كتلة الحريري للعودة إلى السلطة بما يعنيه هذا من إعادة تثبيت الحريري، أو فرض حكومة  " إنقاذ وطني"يهيمن عليها العسكر ستعني تصعيد الصراع الطبقي وتهدد بالتحول إلى حرب أهلية. 

ويجب على الطبقة العاملة أن تفهم أن مطالبتها بأمان اقتصادي وبمساواة اجتماعية تتعارض تمامأ مع مصالح كل مجموعات الأثرياء التي حكمت لبنان على مدى عقود. ويجب على العمال الاسترشاد باستراتيجية سياسية واقتصادية مستندة إلى مصالحهم الطبقية الخاصة تعترف باستحالة حل الأزمة التي تواجه الطبقة العاملة في غياب تحد مباشر للرأسمالية ولجهاز دولتها.

وفي حين تتجه النخبة الحاكمة، التي تخاف حتى الموت من الطبقة العاملة، إلى سادتها الدوليين من موقع الضعف، فإن قوة الطبقة العاملة تكمن في طبيعتها الأممية. وهي تحتاج إلى منظور أممي يركز على بناء قيادة سياسية لتوحيد الطبقة العاملة بما يتجاوز الانقسامات الطائفية ، والإثنية، والقومية، ليس في لبنان وحسب، بل في المنطقة بأسرها، في نضال ضد الرأسمالية وفي سبيل الاشتراكية. 

وهذا يعني بناء فروع للجنة الدولية للأممية الرابعة وفق منظورها حول دول اشتراكية موحدة في الشرق الأوسط، بوصفها قيادة مثل هذا النضال.